دستورية 253/25 دستورية المحكمة الدستورية العليا القاهرة

معلومات عن القضية
نوع المحكمة: 

رقم: 
253
سنة: 
25
نوع القضية: 

منطقة الاختصاص الجغرافي: 

من المركز
تاريخ: 
20/04/2006
مقدمة من: 
حسين عبد الرازق واخرين


مركز هشام مبارك للقانون
من أجل حماية وتعزيز حقوق الإنسان
من خلال الحملات والتقاضى والبحث القانونى


الطعن رقم 253/25 ق ى 16/9/2003

السيد المستشار/ رئيس المحكمة الدستورية العليا
تحية طيبة وبعد
مقدمه لسيادتكم كلا من:
1- الأستاذ/ حسين محمد حسين عبد الرازق المدعى فى الدعوى رقم 2693/53 ق
2- الأستاذة/ أمينة هانم إبراهيم رشيد المدعية فى الدعوى رقم 2695/53 ق
3- الأستاذ/ محمد رجائى محمد الميرغنى عبد العال المدعى فى الدعوى رقم 2696/53 ق
4- الأستاذة/ فريدة عبد المؤمن النقاش المدعية فى الدعوى رقم 2697/53 ق
5- الأستاذ/ احمد جمال الدين احمد عبد الرحمن المدعى فى الدعوى رقم 2699/53 ق
6- الأستاذ/ على أحمد بدرخان المدعى فى الدعوى رقم 2701/53 ق
ومحلهم المختار مركز هشام مبارك للقانون الكائن 1 شارع سوق التوفيقية من شارع رمسيس – الازبكية - بالقاهرة.
ضـــــــــد
1- السيد/ رئيس الجمهورية بصفته
2- السيد/ رئيس مجلس الوزراء بصفته
3- السيد/ وزير الإعلام بصفته
ويعلنوا بهيئة قضايا الدولة بمجمع التحرير - ميدان التحرير - القاهرة
مخاطبون مع/

الموضوع
قام الطاعنون بالطعن على القرار الإدارى الصادر من تابعى المطعون ضده الثالث بمصادرة العدد السابع عشر من السنة الثانية من صحيفة كايرو تايمز (وهى صحيفة تصدر باللغة الإنجليزية وتطبع بالمنطقة الحرة وتحمل ترخيص قبرصى)، وكان من المفترض أن يوزع فى الأسواق فى يوم الخميس الموافق 15/10/1998. وقيدت طعون هؤلاء تحت أرقام 2693، 2694، 2695، 2696، 2697، 2699، 2700، 2701 لسنة 53 ق أمام محكمة القضاء الإداري، واستندوا فى طعونهم على أن هذا القرار يمثل إخلالا وإهدارا بحقوقهم الدستورية والقانونية
وتداولت الدعاوى بالجلسات حتى قررت المحكمة فى جلسة الثلاثاء الموافق 24/6/2003 وعند نظرها للدعوى رقم 2693/53 ق والمقامة من الأستاذ/ حسين محمد حسين "قررت المحكمة إعادة الدعوى للمرافعة لجلسة اليوم والقرار آخر الجلسة" وصدر ما يلى:
"أولا: ضم الدعاوى أرقام 2694، 2695، 2696، 2697، 2699، 2700، 2701 لسنة 53 ق ‘إلى الدعوى الماثلة للارتباط وليصدر فى الدعاوى الثمانية جميعا حكم واحد.
ثانيا: التأجيل لجلسة 17/9/2003 وصرحت للمدعين فى الدعاوى الثمانية برفع طعن أمام المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المادة 9 من المرسوم بقانون رقم 20/1936 بشأن المطبوعات. (انظر المحضر بالحافظة المرفقة).
الدفاع
أولا: تحديد النص الطعين وتعديلاته والنصوص المرتبطة:
1- نص الفقرة الأولى من المادة التاسعة من المرسوم بقانون بشأن المطبوعات رقم 20/36 والتى جرى نصها على النحو التالى:
"يجوز محافظة على النظام العام أن تمنع مطبوعات صادرة فى الخارج من الدخول والتداول فى مصر ويكون هذا المنع بقرار خاص من مجلس الوزراء."
2- رغم أن قانون المطبوعات قد اسند الاختصاص بمنع المطبوعات الأجنبية من الدخول والتداول إلى مجلس الوزراء ألا أن هذا قد تغير بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 283/1956 بإدخال بعض التعديلات على التشريعات القائمة (صدر فى 10 يوليه 1956 ونشر بالوقائع العدد 56 مكرر (أ) "غير اعتيادى")؛ حيث اصبح هذا من اختصاص رئيس الجمهورية وفقا لأحكام المادة الأولى من القرار المذكور والتى نصت على : "يستبدل بعبارتى "رئيس مجلس الوزراء" و "مجلس الوزراء" فى جميع القوانين وغيرها من التشريعات القائمة عبارة "رئيس الجمهورية" وكذلك يستبدل بعبارة "رياسة مجلس الوزراء" عبارة "رياسة الجمهورية".
3- وأصبح هذا من اختصاص وزير الدولة للإعلام بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 402/1983 (المنشور فى الجريدة الرسمية فى 20 أكتوبر سنة 1983 - العدد 42) والذى قضت مادته الأولى بتفويض وزير الدولة للإعلام فى مباشرة اختصاصات رئيس الجمهورية الواردة فى المادتين 9 و 10 من المرسوم بقانون رقم 20/1936، ومما هو جدير بالذكر أن هذا التفويض قد استند إلى ما تضمنته المادة الأولى من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 42/1967 فى شأن التفويض فى الاختصاصات من الترخيص له بأن يعهد ببعض الاختصاصات المخولة له بموجب التشريعات إلى نوابه أو رئيس الوزراء أو نواب رئيس الوزراء أو الوزراء أو نواب الوزراء ومن فى حكمهم أو المحافظين (صدر فى 9 أكتوبر 1967 ونشر بالجريدة الرسمية العدد 83 الصادر فى 12 أكتوبر 1967)
4- وأخيرا يجدر بنا هنا التعرض لقرار رئيس الجمهورية رقم 310/1986 باختصاصات وزارة الإعلام (الجريدة الرسمية فى 24 يوليو سنة 1986 - العدد 30) خاصة ما ورد بالبند التاسع من المادة الأولى على أن يقرأ مع صدر هذه المادة حيث جرى نصهما على النحو التالى:
"تتولى وزارة الإعلام فى إطار السياسة العامة للدولة - اقتراح السياسة والخطة العامة للدولة فى كافة مجالات الإعلام الداخلية والخارجية، .... ولها فى سبيل ذلك مباشرة الاختصاصات وجميع الأعمال التى تحقق هذه الأغراض وبصفة خاصة :
- .....
تنفيذ القوانين واللوائح المتعلقة بالمطبوعات ونشر الأنباء والبيانات والإعلانات والتحقق من عدم مخالفة المطبوعات الصادرة فى الداخل أو الواردة من الخارج للنظام العام أو الآداب العامة ولمبدأ عدم تعرضها للأديان تعرضا من شأنه تكدير السلم العام فيما تعهد به هذه القوانين من اختصاصات لوزير ووزارة الإعلام."
ثانيا: مواثيق حقوق الإنسان وحرية الرأى والتعبير:
1- المادة 19 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان:
"لكل شخص الحق فى حرية الرأى والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أى تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقييد بالحدود الجغرافية".
2- المادة 19 من العهد الدولى بشأن الحقوق المدنية والسياسية:
"1- لكل فرد الحق فى اتخاذ الآراء ودن تدخل
2- لكل فرد الحق فى حرية التعبير، وهذا الحق يشمل حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أى نوع واستلامها ونقلها بغض النظر عن الحدود ….."
3- المادة 9 من الميثاق الإفريقى لحقوق الإنسان الشعوب:
"1- لكل فرد الحق فى الحصول على معلومات
2- كل فرد له الحق فى التعبير ونشر آرائه فى إطار القانون "
التطبيقات الدولية لبعض جوانب حرية الرأى والتعبير:
قدم المقرر الخاص للأمم المتحدة المختص بدعم وحماية حرية الرأى والتعبير - والذى يعمل تحت أشراف لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة - تفسيرا للمادة 19 يساعد فى تحديد نطاق هذه الحرية1. وشدد المقرر فى تقاريره المقدمة أخيراً على الطبيعة المركبة لحرية الرأى والتعبير.
كما شدد المقرر على الحاجة لحماية حرية التماس المعلومات وحرية تلقيها الخاضعتين للحماية المكفولة بنص الفقرة الثانية من المادة 19. وذهب المقرر إلى حد القول بأنه: "نظراً للدور الاجتماعى والسياسى الذى تلعبه المعلومات فى المجتمعات المعاصرة، فانه ينبغى الحرص على توفير حماية لحق كل فرد فى تلقى المعلومات والأفكار، أن هذا الحق ليس فقط الوجه الآخر للحق فى نقل المعلومات، وإنما هو حق قائم بذاته، فحق التماس المعلومات وإتاحتها إنما هو عنصر من أكثر عناصر حرية الرأى والتعبير جوهرية. أن تلك الحرية سوف تخلو من أى تأثير إذا لم يتوافر للناس سبيلاً للحصول على المعلومات، لذا تعد إتاحة إمكانية الحصول على المعلومات من الأمور الجوهرية للأسلوب الديمقراطى فى الحياة. ومن ثم ينبغى القيام بمراجعة صارمة للاتجاه الرامى إلى حجب المعلومات عن الجمهور."2
وأكدت مراراً المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان على الدور البارز الذى تلعبه الصحافة فى مجتمع تخضع دولته لأحكام القانون. وبينت بوضوح الحماية القوية التى تضمنتها الاتفاقية الأوربية لحرية التعبير وهذا الموقف إنما يرتكز أساساً على المبدأ الرئيسى المتمثل فى حق الجمهور فى المعرفة. حيث قضت المحكمة فى أكثر من مناسبة أن الموضوعات التى تحظى باهتمام عام مشروع إنما تخضع للحماية الكاملة الواردة فى المادة 10 من الاتفاقية الأوربية3.
كما أعلنت المحكمة وهى بصدد فحص مسألة حق الجمهور فى المعرفة من إنه:
"بينما على الصحافة إلا تتجاوز الحدود الموضوعة ... ومع ذلك يجب عليها نقل المعلومات والأفكار فى الموضوعات ذات الاهتمام العام؛ وليس القيام بمهمة نقل مثل هذه المعلومات والأفكار واجبا ملقى على عائق الصحافة فحسب، وإنما ينطوى أيضاً على حق الجمهور فى تلقيها. ولو كان الأمر على خلاف ذلك فلن يكون بمكنة الصحافة القيام بدورها الحيوى كحارس مخلص لمصالح الجمهور4.
وقد تضمنت القوانين الوضعية للعديد من الدول الديمقراطية حماية قانونية لحرية التعبير ولحرية الوصول إلى المعلومات التى تلازمها بشكل حتمى بوصفهما من الحريات العامة. ويتوافر عدد هائل من الدعاوى التى تسنى فيها للمحاكم الدستورية المختلفة أن تتصدى لفحص حرية التعبير مجلية أهم المبادئ الدستورية المرتبطة بها وعلى رأسها ما استقر فى أحكام هذه المحاكم من أن حرية التعبير تحتوى. بطريقة ضمنية - على الحق فى إتاحة الوصول للمعلومات. وتكفى أمثلة قليلة هنا لتجسيد هذه النتيجة فالمجلس الدستورى الفرنسى ذهب مثلاً إلى إقرار أن حرية التعبير وحرية الصحافة لا يقتصر معناهما على حق أولئك المشتغلين بالكتابة والتحرير والنشر فحسب وإنما يتسع ليتضمن حق القراء.5 كما أكدت المحكمة اليابانية العليا على أهمية دور الصحافة فى خدمة حق الجمهور فى المعرفة، ولذلك شددت على أن الصحافة يجب أن تمتلك حق تجميع الأخبار. ورغم التمايز الواضح بين الحريتين إلا انهما متلازمتان تماماً.
ومن ابرز وأهم التطبيقات القضائية ذات الصلة بموضوعنا التفسير الذى تبنته المحكمة الهندية العليا، حيث قضت: تشكل الصحافة السلطة الرابعة فى الدولة ومع أن الدستور الهندى لم يتضمن نصاً صريحاً يقضى بكفالة حرية الصحافة إلا أن المحكمة قررت امتداد الحماية الدستورية إليها بطريقة ضمنية وذلك استناداً إلى الحماية والكفالة الدستورية الممنوحة لحرية التعبير، وذهبت المحكمة إلى إجلاء الأغراض الاجتماعية التى تحققها حرية التعبير وحددتها المحكمة فى أربعة أغراض عريضة هى:
1- مساعدة الفرد فى التحقيق الكامل لذاتيته.
2- المساعدة فى كشف الحقيقة.
3- تعظيم قدرة الفرد على المساهمة فى المجتمع الديمقراطى.
4- توفير آلية لتحقيق توازن معقول بين الاستقرار والتغيير الاجتماعى.6
رابعا: الدستور المصرى وحرية التعبير:
للإلمام بموقف المشرع الدستورى من المصادرة الإدارية للمطبوعات يلزمنا بسط خطته فيما يتعلق بحرية الرأى والتعبير، ومن ثم يلزمنا استعراض عدة مواد دستورية وقراءاتها معا، إعمالا للمبدأ الدستورى القائل بأن نصوص الدستور متساندة ومتكاملة:
1- المادة 47:
"حرية الرأى مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون، والنقد الذاتى والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطنى".
يلاحظ على النص أنه قد نص صراحة على حماية الحريات والحقوق التالية:
1- حرية تبنى الآراء.
2- حرية التعبير.
3- حرية النشر.
4- حق النقد الذاتى.
5- حق النقد البناء.
6- الحق فى اختيار وسيلة التعبير.
وفيما يتعلق بالحريات الثلاث الأولى فالحماية الدستورية الممنوحة لها، العبرة فى ممارستها هو صفة الإنسان بغض النظر عن صفة المواطنة حيث استخدم تعبير "لكل إنسان" ومن ثم فهذه الحماية ليست قاصرة على المواطنين فقط.
وأحال النص للقانون مهمة تنظيم هذه الحريات والحقوق وتحديد تخومها، ولا ينبغى أن يفهم هذا النص على أنه يمنح المشرع العادى سلطة مطلقة فى فرض الحدود ذلك أنه يحدها أربعة قيود:
1- على التنظيم التشريعى ألا يصادر الحق أو الحرية.
2- عليه ألا ينتقص من الحق أو الحرية.
3- عدم جواز فرض قيود باهظة على الحرية أو الحق.
4- مراعاة القيود الواردة فى الدستور التى تحد من نطاق سلطته.7
2- المادة 48:
"حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإدارى محظور، ويجوز استثناءا فى حالة إعلان الطوارئ أو فى زمن الحرب أن يفرض على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام رقابة محددة فى الأمور التى تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومى، وذلك كله وفقا للقانون".
تضمن هذا النص صراحة أربع حريات متمايزة وعلى صلة مباشرة بحرية التعبير هى:
1- حرية الصحافة.
2- حرية الطباعة.
3- حرية النشر.
4- حرية وسائل الإعلام.
كما لم يتضمن النص أى قيد يتعلق بجنسية الصحافة مثلا، ومن قراءة النص بدقة يتضح أن موقف الدستور المصرى هو: أن هذه الحريات فى الأصل غير خاضعة للرقابة إطلاقا إلا فى أحوال استثنائية (زمن الحرب أو حالة إعلان الطوارئ)، كما أن هذه الرقابة الاستثنائية إنما تتقيد بقيد موضوعى مضمونه أن تقتصر الرقابة على الأمور المتصلة بالسلامة العامة أو أغراض الآمن القومى، وأحال النص تنظيم هذه الحريات وتلك الرقابة الاستثنائية إلى المشرع العادى بعد أن قيده فى الأحوال العادية بحظر الرقابة وحظر التدخل الإدارى (إنذار، وقف، إلغاء)
3- المادة 49:
"تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمى والإبداع الأدبى، والفنى، والثقافى، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك."
يتضمن النص أربع حريات هى:
1- حرية البحث العلمى.
2- حرية الإبداع الأدبى.
3- حرية الإبداع الفنى.
4- حرية الإبداع الثقافى.
لم يحل النص إلى المشرع العادى تنظيم هذه الحريات وفرض النص على الدولة التزام إيجابى مضمونه؛ توفير الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الحماية، ويلاحظ أن النص استخدم هنا تعبير "للمواطنين" على خلاف المادة السابقة.
خامسا: حرية الرأى والتعبير من واقع أحكام المحكمة الدستورية:
1- تلتزم الدولة فى مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية بالحد الأدنى المقبول فى الدول الديمقراطية:
استقرت المحكمة على:
"وحيث أن الدستور ينص فى مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى اشتراكى، وفى مادته الثالثة على أن السيادة للشعب، وهو يمارسها ويحميها على الوجه المبين فى الدستور، وفى مادته الرابعة على أن الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى.
وحيث أن مؤدى هذه النصوص - مرتبطة بالمادة 65 من الدستور - أنه فى مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية، فإن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باطراد فى مجتمعاتها، واستقر العمل بالتالى على انتهاجها فى مظاهر سلوكها المختلفة، وفى هذا الإطار، والتزاما بأبعاده، لا يجوز للدولة القانونية فى تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديمقراطية، ولا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيودا تكون فى جوهرها أو مداها مجافية لتلك التى درج العمل فى النظم الديمقراطية على تطبيقها، بل أن خضوع الدولة للقانون محددا على ضوء مفهوم ديمقراطى مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى تعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضا أوليا لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة."8
وعند قراءة الحكم السابق بدقة يتبين لنا بيسر أنه يرسى القاعدة الجوهرية ثلاثية الأبعاد؛ حيث تنحل إلى ثلاثة قواعد بالغة الأهمية؛ فتختص القاعدة الأولى بمستوى الحماية القانونية لحرية ما، فى حين تتمحور القاعدة الثانية حول نطاق القيود المقبولة على هذه الحرية، وأخيرا تعالج القاعدة الثالثة نطاق الحريات المشمولة بالحماية القانونية.
وحيث أن حرية التعبير تندرج ضمن الحريات الأساسية، فإن تنظيم المشرع لها يخضع لهذه القاعدة بأبعادها الثلاثة ومن ثم تضحى كافة الحقوق الفرعية المنضوية فى حق التعبير مشمولة بالحماية القانونية المبسوطة على حرية التعبير، أى أن حق المعرفة وحق التماس المعلومات والأفكار وحق إتاحة الوصول الميسر لها ..الخ تستظل بتلك الحماية، كما أن مستوى الحماية المقرر فى القانون المصرى لحرية التعبير يخضع للمراجعة استنادا إلى البعد الأول ويسرى البعد الثانى عند مراجعة القيود الواردة فى التشريع المصرى على حرية التعبير.
2- حرية التعبير هى الحرية الأصل:
ذهبت المحكمة إلى:
"وحيث أن ضمان الدستور - بنص المادة 47 منه - لحرية التعبير عن الآراء والتمكين من عرضها ونشرها، سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتدوينها وغير ذلك من وسائل التعبير، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التى لا يتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها، وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها، ولا تكون لها من فائدة، وبها يكون الأفراد أحرارا لا يتهيبون موقفا، ولا يترددون وجلا، ولا ينتصفون لغير الحق طريقا.
وحيث أن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير، هو أن يكون التماس الآراء والأفكار، وتلقيها عن الغير ونقلها إليه، غير مقيد بالحدود الإقليمية على اختلافها ولا منحصراً فى مصادر بذواتها تعد من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاقها، وأن تتعدد مواردها وأدواتها، وأن تنفتح مسالكها، وتفيض منابعها"9
ونخلص من كل ذلك إلى أن الدستور المصرى يبسط حمايته على الحق حرية التعبير وباقى الحقوق الفرعية المكونة لحرية التعبير.
سادسا: المادة الطعينة وأحكام الدستور:
1- تعارض نظام الحظر الإدارى للمطبوعات مع المواد 47، 48، 49 من الدستور:
يتبين من مراجعة النص المادة التاسعة الطعينة تضمنها نظاما للحظر الإداري للمطبوعات الاجنبية وهو الأمر الذى تحظره تماما المادة 48 من الدستور المصرى.
فالمستفاد من نص المادة 48 من الدستور أن:
1- النص لم يقصر حمايته الدستورية على الصحف المصرية وعلى الناشرين المصريين بل جاء عاما مطلقا لتمتد الحماية التى يكفلها لتشمل الصحف الصادرة خارج الوطن.
2- فرق النص بين أساليب التدخل الإدارى المختلفة وقسمها إلى فئتين: فئة محظورة بشكل مطلق (حتى خلال فترة الحرب أو الطوارئ) وهى تشمل بعض صور التدخل الإدارى (إنذار - وقف - إلغاء)، وفئة (الرقابة) محظورة ويسمح بها استثناءا خلال الحرب أو الطوارئ، وبعبارة أخرى يتضمن النص مبدأين هما مبدأ الحظر المطلق للقيود الإدارية على حرية تداول المطبوعات الدورية، ومبدأ الرقابة المحدودة على الصحف
3- ويلاحظ على بنية المادة أنها تتضمن أن الأصل هو حظر (كافة) أشكال التدخلات الإدارية، والاستثناء هو إباحة صورة واحدة منها وهى الرقابة، ويستدعى هذا مباشرة قاعدة الحرية هى الأصل وتقييدها استثناء ويتفرع عن ذلك مباشرة قابلية الأولى لقاعدة التفسير الواسع وخضوع الثانية لقاعدة التفسير الضيق فالاستثناء لا يقاس عليه والحرية يتوسع فى تفسيرها.
ويستفاد من هذه المادة أن المشرع الدستورى لم يكفل حرية الصحافة بشكل عام فحسب، وإنما تقدم خطوة للأمام حينما حظر وبشكل مطلق إنذار الصحف أو وقفها (أى تعطيلها)، أو إلغائها بالطريق الإدارى (الحظر المطلق لتقييد حرية تداول الصحف). كما حظر الرقابة الإدارية على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام فى الأوقات العادية، وأباحها فقط فى حالتين (الرقابة المحدودة على الصحف)؛ هما حالة إعلان الطوارئ وزمن الحرب (القيد الزمنى) ومن ناحية أخرى حدد نطاق تلك الرقابة بأن حصرها فى الأمور التى تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومى (القيد الموضوعى). وفقا لهذه النصوص الدستورية لم يعد من حق الإدارة تعطيل وإنذار وإلغاء ومصادرة المطبوعات بالطريق الإدارى، حتى ولو فى زمن الطوارئ.10
ونتفق مع ما ذهب إليه أحد رجال القانون المصريين فى معرض تعليقه على قانون الطوارئ وحرية تداول المطبوعات حيث ذهب إلى:
"وبالبناء على ذلك لا يجوز للمشرع أن يرخص للإدارة بإنذار الصحف أو حظر بيعها، أو الحجز عليها أو وقفها أو تعطيلها أو إلغائها. فأن فعل ذلك كان ما أتاه معيبا بعدم الدستورية. وأما أن قامت الإدارة باتخاذ أى من هذه الإجراءات من تلقاء نفسها، فأن هذا يعتبر منها معيبا بعدم المشروعية الجسيمة؛ لانفصاله عن أى أساس قانونى يستند إليه، فيعد تبعا لذلك عملا من أعمال الغصب."11
لقد أصبحت النصوص التشريعية التى تمنح جهة الإدارة الحق فى ضبط المطبوعات الدورية موسومة بعيب عدم الدستورية. حيث حظر الدستور مثل هذه الإجراءات، حتى عند توافر حالة الطوارئ. فنطاق الحظر الإجرائى هنا لا يقتصر على الإنذار أو الوقف أو الإلغاء فحسب، وإنما يمتد إلى غير هذه الإجراءات مما لم يرد ذكره فى المادتين 48، 206 من الدستور. وذلك لأن الحد الأدنى للحظر الدستورى الإجرائى هو الإنذار، والحد الأقصى هو الإلغاء. وإذا كان الإنذار - وهو أقل إجراء يمكن أن تتخذه الإدارة تجاه المطبوعات الدورية - محظورا، فأنه من باب أولى يكون محظورا أيضا ما هو أشد منه تقييدا لحرية التداول، وما هو أقل من الوقف والإلغاء تكبيلا لها، كحظر البيع والحجز والمصادرة.12
وهذا الفهم هو الذى استمد منه المشرع نص المادة الخامسة فى قانون الصحافة الجديد؛ وهو نص مستحدث يتضمن: "يحظر مصادرة الصحف أو تعطيلها أو إلغاء ترخيصها بالطريق الإدارى." تضمن الحظر هنا مصادرة الصحف، على الرغم من عدم تضمن النص الدستورى لمصطلح "المصادرة"، وذلك يجد تفسيره فى أن المصادرة تقع بين أكثر القيود وطأة (الإلغاء)، وأخفها وطأة وهو (الإنذار) وكليهما محظور، فيحظر من باب أولى تلك القيود الأكثر وطأة من الإنذار.
وإعمالا لما سبق يضحى نص المادة التاسعة من المرسوم بقانون رقم 20/1936 متعارضا مع المادة 48 من الدستور حينما منحت جهة الإدارة إمكانية تقييد حرية إدخال وتداول المطبوعات رغم حظر الدستور لها حظرا مطلقا سواء خلال فترة الحرب أو الطوارئ أو فى غير ذلك من الحالات.
وبالبناء على ما تقدم تضحى مخالفة المادة الطعينة للمادة 47 من الدستور من نافلة القول، فحرية الصحافة المكفولة بالمادة 48 من الدستور هى فرع من حرية الرأى والتعبير المكفولة بالمادة 47 من الدستور وإهدار الفرع يهدر بالضرورة الأصل.
خصص الدستور المادة 49 منه لكفالة أربع حريات هن: حرية البحث العلمى، وحرية الإبداع الأدبى، وحرية الإبداع الفنى، وحرية الإبداع الثقافى. والمطبوعات هى إحدى الوسائل والأدوات الفعالة فى مجال ثلاث (الإبداع الفنى والثقافى والادبى) من هذه الحريات الأربع على الأقل، وعندما تسمح المادة الطعينة بالحظر الإداري للمطبوعات فأن ذلك لا يمس أهم أداة للحريات الإبداعية، وإنما يتعارض أيضا مع طبيعة هذه الحريات المطلقة وفقا لنص المادة 49 من الدستور، كما يتعارض مع الالتزام الدستورى الملقى على عاتق الدولة بتوفير الوسائل اللازمة لتشجيع تلك الحريات الأربع، أى أن الدولة هنا مطالبة بالتزام ايجابى علاوة على التزامها السلبى بالامتناع عن كل ما يعيق بلا سند من الدستور ممارسة الأفراد حرياتهم.
2- المادة الطعينة تتعارض مع مبدأ خضوع الدولة للقانون المقرر بالمادة 65 من الدستور:
استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا فى هذا الشأن على أن:
"وحيث أن الدستور إذ نص فى المادة 65 منه على خضوع الدولة للقانون وأن استقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات، فقد دل بذلك على أن الدولة القانونية هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها - وأيا كانت طبيعة سلطاتها - بقواعد قانونية تعلو عليها وتكون بذاتها ضابطا لأعمالها وتصرفاتها فى أشكالها المختلفة، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازا شخصيا لأحد، ولكنها تباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها، ولئن ثم القول بأن السلطة لا تعتبر مشروعة ما لم تكن وليدة الإرادة الشعبية وتعبيرا عنها، إلا أن انبثاق هذه السلطة عن تلك الإرادة وارتكازها عليها لا يفيد بالضرورة أن من يمارسها مقيدة بقواعد قانونية تكون عاصما من جموحها وضمانا لردها على أعقابها إن هى جاوزتها متخطية حدودها، وكان حتما بالتالى أن تقوم الدولة فى مفهومها المعاصر - وخاصة فى مجال توجيهها نحو الحرية - على مبدأ مشروعية السلطة مقترنا ومعززا بمبدأ الخضوع للقانون باعتبارهما مبدأن متكاملان لا تقوم بدونهما المشروعية فى أكثر جوانبها أهمية، ولأن الدولة القانونية هى التى يتوافر لكل مواطن فى كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته، ولتنظيم السلطة وممارستها فى إطار من المشروعية، وهى ضمان يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محورا لكل تنظيم، وحدا لكل سلطة، ورادعا ضد العدوان "
وترتيبا على ما تقدم فأنه مما ينافى مفهوم الدولة القانونية على النحو السالف بيانه ما ورد فى المادة الطعينة من أوجه عوار دستورى.
3-: النص الطعين يخل بمبدأ ضرورة التزام الدولة بالحد الأدنى المقبول فى الدول الديمقراطية عند تصديها لتنظيم الحقوق والحريات الأساسية:
وفى ذلك تقول محكمتنا الدستورية:
"وحيث أن الدستور ينص فى مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى اشتراكى، وفى مادته الثالثة على أن السيادة للشعب، وهو يمارسها ويحميها على الوجه المبين فى الدستور، وفى مادته الرابعة على أن الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى
وحيث أن مؤدى هذه النصوص - مرتبطة بالمادة 65 من الدستور - أنه فى مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية، فان مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باطراد فى مجتمعاتها، واستقر العمل بالتالى على انتهاجها فى مظاهر سلوكها المختلفة، وفى هذا الإطار، والتزاما بأبعاده، لا يجوز للدولة القانونية فى تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديمقراطية، ولا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيودا تكون فى جوهرها أو مداها مجافية لتلك التى درج العمل فى النظم الديمقراطية على تطبيقها، بل أن خضوع الدولة للقانون محددا على ضوء مفهوم ديمقراطى مؤاده ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى تعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضا أوليا لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، ويندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى المادة 41 منه واعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لا تمس."
وترتيبا على ما تقدم فأنه مما ينافى مفهوم خضوع الدولة لمقتضيات الوضع الديمقراطى على النحو السالف بيانه ما ورد فى المادة الطعينة من أوجه عوار دستورى.
لــــــــذلك
يلتمس الطالبون بعد تحضير الدعوى تحديد أقرب جلسة أمام المحكمة الدستورية العليا الكائن مقرها بكورنيش النيل-المعادى- القاهرة ليسمع المدعى عليهم الحكم:
بقبول الدعوى شكلا.
وفى الموضوع:بعدم دستورية المادة التاسعة من المرسوم بقانون رقم 20/1936 وذلك لتعارضها مع مواد الدستور 47، 48، 49، 65.
مع كل ما يترتب علي كل ذلك من آثار وإلزام المدعى عليهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة, مع حفظ كافة حقوق الطاعنون الأخرى.
وكيلا الطاعنون

أحمد نبيل الهلالى ربيع محمد راشد
المحاميان بالنقض
والدستورية العليا