ادارية 2693/53 ادارية منازعات ادارية القاهرة
السيد الأستاذ المستشار/ رئيس محكمة القضاء الإدارى ونائب رئيس مجلس الدولة تحية طيبة وبعد مقدمه لسيادتكم/ وموطنهم المختار مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان 29 شارع التحرير - بين السريات - الدقى - الجيزة ضـــــــــد 1- السيد/ رئيس الجمهورية بصفته 2- السيد/ رئيس مجلس الوزارء بصفته 3- السيد/ وزير الإعلام بصفته ونتشرف بعرض الآتى الموضوع : فى يوم الخميس الموافق 6/3/1997 صدر أول عدد من صحيفة كايرو تايمز وهى صحيفة تصدر باللغة الإنجليزية وتطبع بالمنطقة الحرة وتحمل ترخيص قبرصى وهى صحيفة نصف شهرية تصدر كل خمسة عشر يوما. وفوجئنا يوم الخميس الموافق 15/10/1998 بعدم صدور العدد السابع عشر من السنة الثانية من الصحيفة وحاولنا البحث عن العدد فى مكتبات الصحف والأكشاك، إلا أننا لم نتمكن من العثور عليه، وتربصنا عدة أيام لعل هناك سبب أو أخر لتأخير نزول العدد إلى الأسواق ثم تبين بعد ذلك أن حجب العدد عن التداول فى السوق نتيجة لقرار صدر من وزارة الإعلام. وحيث أن هذا القرار يمثل إخلالا وإهدارا بحقوق الطاعنين الدستورية والقانونية وأصابهم بأضرار بالغة فانهم يطعنون عليه للأسباب الآتية :- قبل أن نتعرض لأسباب الطعن على القرار لابد من توضيح شرطى الصفة والمصلحة فلا يجوز قبول دعوى الإلغاء ما لم يتوافر كلا الشرطين، فالمصلحة شرط لمخاصمة القرار الإدارى ذاته بقصد الوصول إلى حكم بإبطاله، والصفة شرط لمباشرة دعوى الإلغاء أمام القضاء وإبداء الدفاع فيها (أ)- للطاعنين المصلحة فى الطعن على القرار الإدارى سالف الذكر :- من المبادئ المستقرة فى فقه القانون : أنه حيث لا مصلحة فلا دعوى، وهو ما نص عليه صراحة فى المادة الثالثة من قانون المرافعات وفى الفقرة الأولى من المادة 12 من قانون مجلس الدولة. وإن كان هذا لا يمنع من اختلاف نطاق ومدلول مفهوم المصلحة بين فقه القانون الخاص وفقه القانون العام، بل من الممكن أن يختلف هذا النطاق من مجال قانونى إلى آخر فى داخل ذات الفقه. ففى قانون المرافعات نجد أن المصلحة التى تبرر قبول الدعوى يجب أن تستند إلى حق أعتدى عليه أو مهدد بالاعتداء عليه. وهى ذات القاعدة التى تسرى على دعوى التعويض أمام القضاء الإدارى (دعوى القضاء الكامل) حيث يشترط فى رافعها أن يكون صاحب حق أصابته جهة الإدارة بقرارها الخاطئ بضرر يراد رتقه وتعويضه عنه، فى الحالتين ربط بين المصلحة والحقوق الشخصية. أما فى دعوى الإلغاء أمام القضاء الإدارى فنجد فصلا تاما بين المصلحة والحق وترتبط المصلحة هنا بالمركز القانونى؛ حيث لا يشترط فى المصلحة التى تبرر قبول الدعوى أن تستند إلى حق لرافعها اعتدت عليه السلطات العامة، أو مهدد بالاعتداء عليه بل يكفى أن يكون ذا مصلحة شخصية ومباشرة فى طلب الإلغاء؛ والمصلحة الشخصية هنا معناها أن يكون رافع الدعوى فى مركز قانونى خاص أو حالة قانونية خاصة بالنسبة إلى القرار المطعون فيه من شأنها أن تجعله - مادام قائما - مؤثرا فى مصلحة ذاتية للطالب تأثيرا مباشرا . و قد توسع القضاء الإدارى فى تطبيقه لشرط المصلحة فى دعاوى الإلغاء فاكتفى فى حالات بقبول الدعوى تأسيسا على مجرد توافر صفة المواطنة لرافعها فيكفى هذا ليكون له مصلحة شخصية مباشرة فى الطعن على القرار محل البحث. حيث قضت محكمة القضاء الإدارى بتاريخ 1/4/1980 فى الدعوى رقم 6927 سنة 32 ق بأنه : "من المقرر أن صفة المواطن تكفى فى بعض الحالات لإقامة دعوى الإلغاء طعنا فى القرارات الإدارية التى تمس مجموع المواطنين المقيمين فى أرض الدولة وتعرض مصالحهم أو صحتهم أو مستقبلهم للأخطار الجسيمة." وفى تحديد معنى المصلحة الشخصية قضت محكمة القضاء الإدارى "بأن دعوى الإلغاء وهى ترمى إلى اختصام القرار ذاته وكشف شوائبه وعيوبه لا يشترط فى قبولها الاستناد إلى حق للمدعى قبل الإدارة، بل يكفى فى ذلك أن يكون لرافعها مصلحة شخصية يؤثر فيها القرار تأثيرا مباشرا ..."1 وفى تحديد المصلحة المباشرة قضت محكمة القضاء الإدارى من أنه "يكفى لتوافر شرط المصلحة فى اختصام القرار الإدارى بدعوى الإلغاء أن يكون لرافعها صلة قانونية أثر فيها القرار المطلوب إلغائه تأثيرا مباشرا ..."2 واستنادا لكلا الحكمين نجد أن المصلحة تتوافر بعنصريها متى كان للطاعنين استفادة شخصية من الطعن على القرار، وأن يكون ذلك القرار قد أثر تأثيرا مباشرا على أحد حقوقه القانونية. وبتطبيق ذلك على وقائع النزاع نجد أن القرار الطعين قد حظر ومنع العدد السابع عشر من السنة الثانية من صحيفة كايرو تايمز من دخول جمهورية مصر العربية أو التداول فيها وهو ما يعد اعتداءا صريحا على حق الطاعنين فى المعرفة وهو أحد الحقوق التى كفل المشرع الدستورى صونها وحمايتها . ومن ثم يستمد الطاعنون صفتهم ومصلحتهم فى الطعن الماثل من أن القرار محل الطعن يمس حقهم فى المعرفة بصفتهم مواطنين يهمهم تعدد منابع تدفق المعلومات والآراء وبذا يصبح مناط حسم مدى توافر شرطى الصفة والمصلحة رهنا بإثبات حماية البناء التشريعى المصرى للحق فى المعرفة. ولاستجلاء هذه النقطة يلزمنا استعراض الدستور المصرى لنحدد نطاق حماية حرية التعبير فيه سواء على ضوء نصوص الدستور ذاتها أو على ضوء المبادئ التى أرستها محكمتنا الدستورية العليا، ثم ننتقل بعد ذلك لفحص التشريع العادى وذلك للارتباط الوثيق بين الحق فى المعرفة وحرية التعبير على سند من أن الحق فى المعرفة ما هو إلا أحد عناصر حرية التعبير. أولا : القانون الدولى والمقارن يعترف بالحق فى المعرفة ثانيا : البناء التشريعى المصرى يقر بالحق فى المعرفة أولا :الحق فى المعرفة فى القانون الدولى والمقارن : يقصد بالحق فى المعرفة حق كل إنسان فى أن توفر له الدولة كافة السبل الملائمة لتتدفق من خلالها المعلومات والآراء والأفكار، ليختار من بينها وفقا لإرادته الحرة وعليها أن تحمى نفاذه الميسر إليها بعيدا عن تدخلها أو تدخل الغير الذى من شأنه إعاقة أو الحد أو الانتقاص أو منع تمتعه بهذه الحرية يعتبر الحق فى المعرفة الوجه الآخر لحرية الرأى والتعبير ،فحرية التعبير فى معناها المباشر تعنى حق الأشخاص فى أن يعبروا عن آرائهم وأفكارهم وهو ما يحتوى ضمنيا على حق متلقى هذه الآراء والأفكار والمعلومات فى وجود سبل ومنافذ تتدفق من خلالها بعيدا عن التدخل من قبل الحكومة أو غيرها من الأفراد. أن حرية التعبير لا تقتصر فقط على حرية الأفراد فى التعبير عن آرائهم وإنما تشمل أيضا حق تلقى الآخرين لهذه الآراء المعبر عنها فى حرية. وقد كفلت المواثيق الدولية والإقليمية إتاحة المعلومات واهتمت مختلف المعاهدات بحماية حق التعبير ومدت هذه الحماية لتشمل حماية حق الأفراد فى المعرفة والذى يعد بمثابة جوهر حرية التعبير ومن ثم فان الإخفاق فى كفالته إنما يعرض حرية التعبير للخطر وسوف نكتفى هنا بعرض موقف الاتفاقيات الدولية التى شاركت فيها مصر وهى : 1- الإعلان العالمى لحقوق الإنسان المادة 19 : "لكل شخص الحق فى حرية الرأى والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أى تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقييد بالحدود الجغرافية". 2- العهد الدولى بشأن الحقوق المدنية والسياسية المادة 19 : "1- لكل فرد الحق فى اتخاذ الآراء ودن تدخل 2- لكل فرد الحق فى حرية التعبير، وهذا الحق يشمل حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أى نوع واستلامها ونقلها بغض النظر عن الحدود ….." 3- الميثاق الإفريقى لحقوق الإنسان الشعوب المادة 9 : "1- لكل فرد الحق فى الحصول على معلومات 2- كل فرد له الحق فى التعبير ونشر آرائه فى إطار القانون " التطبيقات الدولية للحق فى المعرفة قدم المقرر الخاص للأمم المتحدة المختص بدعم وحماية حرية الرأى والتعبير - والذى يعمل تحت أشراف لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة - تفسيرا للمادة 19 يساعد فى تحديد نطاق هذه الحرية3. وشدد المقرر فى تقاريره المقدمة أخيراً على الطبيعة المركبة لحرية الرأى والتعبير. كما شدد المقرر على الحاجة لحماية حرية التماس المعلومات وحرية تلقيها الخاضعتين للحماية المكفولة بنص الفقرة الثانية من المادة 19. وذهب المقرر إلى حد القول بأنه : "نظراً للدور الاجتماعى والسياسى الذى تلعبه المعلومات فى المجتمعات المعاصرة، فانه ينبغى الحرص على توفير حماية لحق كل فرد فى تلقى المعلومات والأفكار، أن هذا الحق ليس فقط الوجه الآخر للحق فى نقل المعلومات، وإنما هو حق قائم بذاته، فحق التماس المعلومات وإتاحتها إنما هو عنصر من أكثر عناصر حرية الرأى والتعبير جوهرية. أن تلك الحرية سوف تخلو من أى تأثير إذا لم يتوافر للناس سبيلاً للحصول على المعلومات، لذا تعد إتاحة إمكانية الحصول على المعلومات من الأمور الجوهرية للأسلوب الديمقراطى فى الحياة. ومن ثم ينبغى القيام بمراجعة صارمة للاتجاه الرامى إلى حجب المعلومات عن الجمهور."4 وأكدت مراراً المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان على الدور البارز الذى تلعبه الصحافة فى مجتمع تخضع دولته لأحكام القانون. وبينت بوضوح الحماية القوية التى تضمنتها الاتفاقية الأوربية لحرية التعبير وهذا الموقف إنما يرتكز أساساً على المبدأ الرئيسى المتمثل فى حق الجمهور فى المعرفة. حيث قضت المحكمة فى أكثر من مناسبة أن الموضوعات التى تحظى باهتمام عام مشروع إنما تخضع للحماية الكاملة الواردة فى المادة 10 من الاتفاقية الأوربية5. كما أعلنت المحكمة وهى بصدد فحص مسألة حق الجمهور فى المعرفة من إنه : "بينما على الصحافة إلا تتجاوز الحدود الموضوعة ... ومع ذلك يجب عليها نقل المعلومات والأفكار فى الموضوعات ذات الاهتمام العام؛ وليس القيام بمهمة نقل مثل هذه المعلومات والأفكار واجبا ملقى على عائق الصحافة فحسب، وإنما ينطوى أيضاً على حق الجمهور فى تلقيها. ولو كان الأمر على خلاف ذلك فلن يكون بمكنة الصحافة القيام بدورها الحيوى كحارس مخلص لمصالح الجمهور6. وقد تضمنت القوانين الوضعية للعديد من الدول الديمقراطية حماية قانونية لحرية التعبير ولحرية الوصول إلى المعلومات التى تلازمها بشكل حتمى بوصفهما من الحريات العامة. ويتوافر عدد هائل من الدعاوى التى تسنى فيها للمحاكم الدستورية المختلفة أن تتصدى لفحص حرية التعبير مجلية أهم المبادئ الدستورية المرتبطة بها وعلى رأسها ما استقر فى أحكام هذه المحاكم من أن حرية التعبير تحتوى. بطريقة ضمنية - على الحق فى إتاحة الوصول للمعلومات. وتكفى أمثلة قليلة هنا لتجسيد هذه النتيجة فالمجلس الدستورى الفرنسى ذهب مثلاً إلى إقرار أن حرية التعبير وحرية الصحافة لا يقتصر معناهما على حق أولئك المشتغلين بالكتابة والتحرير والنشر فحسب وإنما يتسع ليتضمن حق القراء.7 كما أكدت المحكمة اليابانية العليا على أهمية دور الصحافة فى خدمة حق الجمهور فى المعرفة، ولذلك شددت على أن الصحافة يجب أن تمتلك حق تجميع الأخبار. ورغم التمايز الواضح بين الحريتين إلا انهما متلازمتان تماماً. ومن ابرز وأهم التطبيقات القضائية ذات الصلة بموضوعنا التفسير الذى تبنته المحكمة الهندية العليا، حيث قضت : تشكل الصحافة السلطة الرابعة فى الدولة ومع أن الدستور الهندى لم يتضمن نصاً صريحاً يقضى بكفالة حرية الصحافة إلا أن المحكمة قررت امتداد الحماية الدستورية إليها بطريقة ضمنية وذلك استناداً إلى الحماية والكفالة الدستورية الممنوحة لحرية التعبير، وذهبت المحكمة إلى إجلاء الأغراض الاجتماعية التى تحققها حرية التعبير وحددتها المحكمة فى أربعة أغراض عريضة هى : 1- مساعدة الفرد فى التحقيق الكامل لذاتيته. 2- المساعدة فى كشف الحقيقة. 3- تعظيم قدرة الفرد على المساهمة فى المجتمع الديمقراطى. 4- توفير آلية لتحقيق توازن معقول بين الاستقرار والتغيير الاجتماعى. وبإيجاز شديد فإن هذا التفسير يتمحور حول المبدأ الأساسى الخاص بحق الجمهور فى المعرفة.8 أن ما تضمنه هذا الحكم من تفسير إنما يصف بدقة الدور البارز فى النظام الديمقراطى الذى تضطلع به حرية التعبير وما يلتصق بها من الحق فى إتاحة الوصول إلى المعلومات. ثانيا : البناء التشريعى المصرى يقر الحق فى المعرفة أولا : الدستور يقر ضمنيا الحق فى المعرفة من خلال كفالته لحرية التعبير: للإلمام بموقف المشرع الدستورى من الحق فى المعرفة يلزمنا بسط خطته فيما يتعلق بحرية الرأى والتعبير، ومن ثم يلزمنا استعراض عدة مواد دستورية وقراءاتها معا، إعمالا للمبدأ الدستورى القائل بأن نصوص الدستور متساندة ومتكاملة 1- المادة 47 "حرية الرأى مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون، والنقد الذاتى والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطنى" يلاحظ على النص أنه قد نص صراحة على حماية الحريات والحقوق التالية: 1- حرية تبنى الآراء. 2- حرية التعبير. 3- حرية النشر. 4- حق النقد الذاتى. 5- حق النقد البناء. 6- الحق فى اختيار وسيلة التعبير. وفيما يتعلق بالحريات الثلاث الأولى فالحماية الدستورية الممنوحة لها، العبرة فى ممارستها هو صفة الإنسان بغض النظر عن صفة المواطنة حيث استخدم تعبير "لكل إنسان" ومن ثم فهذه الحماية ليست قاصرة على المواطنين فقط. وأحال النص للقانون مهمة تنظيم هذه الحريات والحقوق وتحديد تخومها، ولا ينبغى أن يفهم هذا النص على أنه يمنح المشرع العادى سلطة مطلقة فى فرض الحدود ذلك أنه يحدها أربعة قيود : 1- على التنظيم التشريعى ألا يصادر الحق أو الحرية. 2- عليه ألا ينتقص من الحق أو الحرية. 3- عدم جواز فرض قيود باهظة على الحرية أو الحق. 4- مراعاة القيود الواردة فى الدستور التى تحد من نطاق سلطته.9 2- المادة 48 : "حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإدارى محظور، ويجوز استثناءا فى حالة إعلان الطوارئ أو فى زمن الحرب أن يفرض على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام رقابة محددة فى الأمور التى تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومى، وذلك كله وفقا للقانون" تضمن هذا النص صراحة أربع حريات متمايزة وعلى صلة مباشرة بحرية التعبير هى : 1- حرية الصحافة. 2- حرية الطباعة. 3- حرية النشر. 4- حرية وسائل الإعلام. كما لم يتضمن النص أى قيد يتعلق بجنسية الصحافة مثلا، ومن قراءة النص بدقة يتضح أن موقف الدستور المصرى هو : أن هذه الحريات فى الأصل غير خاضعة للرقابة إطلاقا إلا فى أحوال استثنائية (زمن الحرب أو حالة إعلان الطوارئ)، كما أن هذه الرقابة الاستثنائية إنما تتقيد بقيد موضوعى مضمونه أن تقتصر الرقابة على الأمور المتصلة بالسلامة العامة أو أغراض الآمن القومى، وأحال النص تنظيم هذه الحريات وتلك الرقابة الاستثنائية إلى المشرع العادى بعد أن قيده فى الأحوال العادية بحظر الرقابة وحظر التدخل الإدارى (إنذار، وقف، إلغاء) 3- المادة 49 : "تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمى والإبداع الأدبى، والفنى، والثقافى، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك." يتضمن النص أربع حريات هى : 1- حرية البحث العلمى. 2- حرية الإبداع الأدبى. 3- حرية الإبداع الفنى. 4- حرية الإبداع الثقافى. لم يحل النص إلى المشرع العادى تنظيم هذه الحريات وفرض النص على الدولة التزام إيجابى مضمونه؛ توفير الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الحماية، ويلاحظ أن النص استخدم هنا تعبير "للمواطنين" على خلاف المادة السابقة. الحق فى المعرفة من واقع أحكام المحكمة الدستورية 1- تلتزم الدولة فى مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية بالحد الأدنى المقبول فى الدول الديمقراطية : استقرت المحكمة على : "وحيث أن الدستور ينص فى مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى اشتراكى، وفى مادته الثالثة على أن السيادة للشعب، وهو يمارسها ويحميها على الوجه المبين فى الدستور، وفى مادته الرابعة على أن الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى. وحيث أن مؤدى هذه النصوص - مرتبطة بالمادة 65 من الدستور - أنه فى مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية، فإن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها، وتتقيد هى بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باطراد فى مجتمعاتها، واستقر العمل بالتالى على انتهاجها فى مظاهر سلوكها المختلفة، وفى هذا الإطار، والتزاما بأبعاده، لا يجوز للدولة القانونية فى تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديمقراطية، ولا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيودا تكون فى جوهرها أو مداها مجافية لتلك التى درج العمل فى النظم الديمقراطية على تطبيقها، بل أن خضوع الدولة للقانون محددا على ضوء مفهوم ديمقراطى مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى تعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضا أوليا لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة."10 وعند قراءة الحكم السابق بدقة يتبين لنا بيسر أنه يرسى القاعدة الجوهرية ثلاثية الأبعاد؛ حيث تنحل إلى ثلاثة قواعد بالغة الأهمية؛ فتختص القاعدة الأولى بمستوى الحماية القانونية لحرية ما، فى حين تتمحور القاعدة الثانية حول نطاق القيود المقبولة على هذه الحرية، وأخيرا تعالج القاعدة الثالثة نطاق الحريات المشمولة بالحماية القانونية. وما يهمنا بصدد مدى اعتراف القضاء المصرى بالحق فى المعرفة هو البعد الثالث المتعلق ببعد نطاق الحريات المشمولة بالحماية القانونية فإنه يعنى عدم إخلال التشريعات ليس فقط بالحقوق الواردة صراحة فى صلب الدستور وإنما أيضا عليها ألا تخل بالحقوق الأخرى والتى تشكل مفترض أولى فى المجتمع الديمقراطى لقيام الدولة القانونية والتى تعتبر ضمانة أساسية لحقوق الإنسان وكرامته الشخصية. وهذا البعد هو جوهر المبدأ المستقر لدى محكمتنا الدستورية العليا والقائل بتقدمية الدستور، ويفتح هذا البعد الباب أمام كفالة حريات لم ترد ضمن الوثيقة الدستورية سواء لأنها حريات تم استحداثها بعد إعلان الدستور أو لأن المشرع الدستورى تجاهلها لسبب أو لآخر. وحيث أن حرية التعبير تندرج ضمن الحريات الأساسية، فإن تنظيم المشرع لها يخضع لهذه القاعدة بأبعادها الثلاثة ومن ثم تضحى كافة الحقوق الفرعية المنضوية فى حق التعبير مشمولة بالحماية القانونية المبسوطة على حرية التعبير، أى أن حق المعرفة وحق التماس المعلومات والأفكار وحق إتاحة الوصول الميسر لها ..الخ تستظل بتلك الحماية، كما أن مستوى الحماية المقرر فى القانون المصرى لحرية التعبير يخضع للمراجعة استنادا إلى البعد الأول ويسرى البعد الثانى عند مراجعة القيود الواردة فى التشريع المصرى على حرية التعبير. 2- حرية التعبير تتضمن بالضرورة الحق فى المعرفة : ذهبت المحكمة إلى : "وحيث أن ضمان الدستور - بنص المادة 47 منه - لحرية التعبير عن الآراء والتمكين من عرضها ونشرها، سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتدوينها وغير ذلك من وسائل التعبير، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التى لا يتم الحوار المفتوح إلا فى نطاقها، وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها، ولا تكون لها من فائدة، وبها يكون الأفراد أحرارا لا يتهيبون موقفا، ولا يترددون وجلا، ولا ينتصفون لغير الحق طريقا. وحيث أن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير، هو أن يكون التماس الآراء والأفكار، وتلقيها عن الغير ونقلها إليه، غير مقيد بالحدود الإقليمية على اختلافها ولا منحصراً فى مصادر بذواتها تعد من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاقها، وأن تتعدد مواردها وأدواتها، وأن تنفتح مسالكها، وتفيض منابعها"11 ونخلص من كل ذلك إلى أن الدستور المصرى يبسط حمايته على الحق فى المعرفة وباقى الحقوق الفرعية المكونة لحرية التعبير. ثانيا : التشريع العادى يقر صراحة بالحق فى المعرفة : 1- المادة 19/2 من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية : بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 536/1981 تمت الموافقة على العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، ونشرت بالجريدة الرسمية العدد 15 فى 15 إبريل 1982. وأضحت لها ما للقانون الداخلى من قوة نفاذ ويمكن استخدامها مباشرة أمام المحاكم المصرية ليس بوصفها اتفاقية دولية، وإنما بوصفها قانون داخلى ينسخ ما سبقه ومن ثم يصلح البند الثانى من المادة 19 منها ليكون سندا تشريعيا للحق فى المعرفة ولسائر الحقوق الفرعية المكونة للحق فى التعبير وجاءت صياغة النص كما يلى : "لكل إنسان حق فى حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته فى التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو فى قالب فنى أو بأية وسيلة أخرى يختارها." وتضمنت الفقرة الثانية منها المحتوى الإيجابى لحرية التعبير، ونقصد به على وجه التحديد حق التماس وتلقى ونقل المعلومات والأفكار من كل نوع بغض النظر عن الحدود، سواء أكانت فى صورة مادة شفهية أو مكتوبة أو مطبوعة، سواء جاءت فى شكل عمل فنى أو من خلال أى وسيلة من اختيار الفرد. ويلاحظ هنا اتساع الحماية التى يسبغها النص على حرية التعبير، ويظهر هذا الاتساع على عدة مستويات سواء فيما يتعلق بالأفراد المتعاملين مع المعلومات أو بشكل هذه المعلومات أو بمصدرها أو بوسائط تداولها؛ حيث بسط نص المادة حمايته على كل أشكال المعلومات المحتملة بدون أى اعتداد بنوع هذه المعلومات أو مصدرها، فقد غض النظر عن الحدود كما لم يعتد بنوعية وسائط نقل المعلومات. أما بخصوص مستوى الحماية المكفول بمقتضى النص فيما يتعلق بالأشخاص المتعاملين مع المعلومات فإن هذه الحماية تمتد إليهم كافة؛ فالنص عدد صور تعامل الفرد الممكنة مع المعلومات لتشكل كل صورة منها موضوع لحق فرعى : فالفرد إما منتج للمعلومات والأفكار والآراء (محور الحق فى حرية التعبير بالمعنى الضيق) أو مستخدم مستهلك لها، وفعل الاستخدام قد يتضمن فعلين فعل البحث عن المعلومة (محور الحق فى التماس المعلومات) أو فعل تلقى المعلومة (وهو محور الحق فى تلقى المعلومات). وهناك عادة شخص وسيط بين المنتج والمتلقى يتعامل مع المعلومات لإعادة توزيعها وهو النشاط المتمحور حول فعل النقل (وهو محور الحق فى نقل المعلومات) وقد بسط النص حمايته على كل هذه الأفعال. 2- قانون 96/96 بشأن تنظيم الصحافة : المادة 9 : "يحظر فرض أى قيود تعوق حرية تدفق المعلومات أو تحول دون تكافؤ الفرص بين مختلف الصحف فى الحصول على المعلومات أو يكون من شأنها تعطيل حق المواطن فى الإعلام والمعرفة، وذلك كله دون إخلال بمقتضيات الأمن القومى والدفاع عن الوطن ومصالحه العليا." نص المشرع فى هذه المادة صراحة على حرية تدفق المعلومات وحق المواطن فى الإعلام وحق المواطن فى المعرفة وحق الصحف فى الحصول على المعلومات، ومن ثم فإن هذا النص يشكل أساسا قانونيا واضحا للحق فى المعرفة، صحيح أن قانون تنظيم الصحافة يسرى على الصحف المصرية المادة 67/1 : "المجلس الأعلى للصحافة هيئة مستقلة قائمة بذاتها يكون مقرها مدينة القاهرة وتتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتقوم على شئون الصحافة بما يحقق حريتها واستقلالها وقيامها بممارسة سلطاتها فى إطار المقومات الأساسية للمجتمع، وبما يكفل الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى، وبما يؤكد فعاليتها فى ضمان حق المواطنين فى المعرفة من خلال الأخبار الصحيحة والآراء والتعليقات الموضوعية." أقر النص بحق المواطنين فى المعرفة وجعل أحد مهام الصحافة هو ضمان هذا الحق وأناط بالمجلس الأعلى للصحافة مهمة ضمان قيام الصحافة بهذا الدور، فهو أساس قانونى يتأسس عليه الحق فى المعرفة داخل نطاق الأمور الخاضعة لقانون الصحافة. المادة 70/8 : "فضلا عن الاختصاصات الأخرى المنصوص عليها فى هذا القانون يتولى المجلس الأعلى للصحافة الاختصاصات الآتية : 8- تحديد حصص الورق لدور الصحف، وتحديد أسعار الصحف والمجلات، وتحديد أسعار ومساحات الإعلانات للحكومة، والهيئات العامة، والقطاع العام وقطاع الأعمال بما لا يخل بحق القارئ فى المساحة التحريرية وفقا للعرف الدولى." استحدث النص حق القارئ فى المساحة التحريرية وأحال إلى العرف الدولى لتنظيم ذلك. ميثاق الشرف الصحفى : البند الثالث : "حق المواطنين فى المعرفة هو جوهر العمل الصحفى وغايته، وهو ما يستوجب ضمان التدفق الحر للمعلومات، وتمكين الصحفيين من الحصول عليها من مصادرها، وإسقاط أى قيود تحول دون نشرها والتعليق عليها." رغم محدودية القيمة القانونية لميثاق الشرف الصحفى إلا أنه مع ذلك لا يخلو تماما من كل قيمة، ولعله من أوضح النصوص التى تقر بحق المواطنين فى المعرفة مع استصحابه بحظر فرض قيود تحول دون التدفق الحر للمعلومات وتحول دون نشرها والتعليق عليها، وتمكين الصحفيين من الحصول عليها (حق الحصول على المعلومات)، صحيح أن النص قصر هذا الحق على المواطنين. الخلاصة يتضح من الاستعراض السابق أن الحق فى المعرفة يعد واحد من حقوق الإنسان الجوهرية سواء نص عليه صراحة أو استنتج بوصفه أحد الحقوق الفرعية اللازمة والملاصقة لحرية التعبير المنصوص عليها صراحة فى الدستور. وقد بسط القانون المصرى حمايته لهذا الحق وتكفينا هنا المادة 19 من الاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية بوصفها جزءا من التشريع المصرى لكى تكون سند تشريعى يمنح الطاعنين المصلحة للدفاع عن حقهم فى المعرفة ضد أى انتهاك أيا كان مصدره. وتأسيسا على ما تقدم نخلص إلى توافر المصلحة للطاعنين فى الطعن على القرار محل النزاع (ب)- توافر شرط الصفة فى الطاعنين إلى جانب شرط المصلحة، ينبغى توافر الصفة فى رافعى دعوى الإلغاء فالصفة هى ما للشخص من شأن فى رفع دعوى الإلغاء وإبداء دفاعه عنها وبالرغم أن هناك اختلاف بين المصلحة والصفة فى أن الأولى شرط لقبول الدعوى وتقوم على مخاصمة القرار ذاته فأن الثانية شرط لمباشرة هذه الدعوى أمام القضاء، إلا أنه فى أغلب الأحيان يتداخل كلا منهما فى الأخر ويصبح توافر المصلحة دال على توافر الصفة. وفى ذلك جاء الحكم رقم 347 لسنة 39 ق جلسة 15/8/1993 على النحو التالى "فإنه لا يلزم أن يمس القرار المطلوب إلغاؤه حقا ثابتا للمدعى على سبيل الاستئثار والانفراد، وإنما يكفى أن يكون المدعى فى حالة قانونية خاصة من شأنها أن تجعل هذا القرار مؤثرا مباشرا فى مصلحة شخصية له ولو شاركه فيها غيره، فقد أجاز المشرع على سبيل الاستثناء قبول بعض الدعاوى دون أن يكون رافعها هو صاحب الحق المعتدى عليه إذ يكتفى بالمصلحة المحتملة أو لإثبات وقائع ليحتج بها فى نزاع فى المستقبل والمصلحة على هذا النحو هى التى تجعل للمدعى صفه فى رفع الدعوى" وهو ما ذهبت إليه أيضا محكمة القضاء الإدارى فى طعنه رقم 1117 لسنة 29 ق "ولئن كان المشرع قد أشترط لقبول دعوى الإلغاء أن يكون لرفعها مصلحة شخصية ومباشرة إلا أن القضاء الإدارى قد استقر على توافر هذا الشرط متى كان صاحب الشأن فى حالة قانونية مسها القرار المطعون فيه،
